أعيش في الزقاق الأعور، وتعيش بجواري عائلة من ثلاثة أجيال. قبل أن أمضي في رواية أحوال هذه العائلة، سأحسم موضوع الزقاق الأعور: هو أعور لأنه لا يؤدي إلى شيء، مفتوح من طرف واحد ومغلق من الطرف الآخر، من يدخله لا يدخل إلّا لزيارتي أو لزيارة أحد أفراد تلك العائلة التي يربو عدد أفرادها على المئة. أو للانتحار في حفرة الصرف الصحي في آخر الزقاق. لا أعمق من تلك الحفرة سوى ابنهم الشاعر، صفيق القوافي كما يسمّي نفسه، لأنه يظنّ أن "الصفاقة" كلمة حسنة.
تنشط عائلة الشاعر في أيام الانتخابات، وظيفتها جمع صور المرشّحين وخلعها من الحيطان والأعمدة والسيارات. لا تُعرف لها وظيفة غير هذه. ينتشر أولادها وأحفادها في اصطياد وجوه السياسيين والسياسيات من الشوارع، يصفّونها في رزم ويحملونها على ظهورهم.
أراهم من فتحة شباك مطبخي، يتناوبون على حملها وتخزينها في بيوتهم، بيوتهم تتراكم في الزقاق مثل البثور على وجه المدينة.
أشعر أنهم "يسبُتون" مثل الدببة في باقي الأيام ولا يخرجون إلى العالم إلا في مواسم الانتخابات.
وأنتظر مثل باقي سكّان الحي ذلك الحدث الذي يصيبهم بعد أسبوع أو أسبوعين من الانتخابات. آل الشاعر تنقلهم سيارات الإسعاف بمساعدة الأهالي إلى المستشفى، يحملونهم وهم نصف يقظى، أو مغمى عليهم كلياً، والصاحي منهم يمسك بطنه والقيء يسيل من فمه وهو يركض نحو السيارة.
عرفنا بعد دورات انتخابية عديدة أن آل "صفيق القوافي" كانوا يطبخون صور المرشحين ويأكلونها. ثم يقعون صرعى بأعراض التسمّم الغذائي.
قبل أيام، وبعد انقضاء آخر دورة انتخابية، وقف الشرطي مواجهاً شباك مطبخي الذي أتلصّص منه على العالم، قال لي بأنه تعب من طرق الباب، ونصحني ساخراً أن انبش أذني الصمّاء، لأنني سأعثر فيها بلا شك على طائرة مفقودة.
أخرج من حقيبته بلاغاً من دائرة الصحة مع أمر قضائي بإخلاء الزقاق بالسرعة الممكنة، وذلك لأن آل الشاعر الصفيق أصيبوا بداء نقص المناعة المكتسَبة!
بيتونة
شاعر وشرطي وسياسي
أعيش في الزقاق الأعور، وتعيش بجواري عائلة من ثلاثة أجيال. قبل أن أمضي في رواية أحوال هذه العائلة، سأحسم موضوع الزقاق الأعور: هو أعور لأنه لا يؤدي إلى شيء، مفتوح من طرف واحد ومغلق من الطرف الآخر

للكاتب/ة
فسحة العيش في كرتونة
مرتضى كزار 2016-12-07
.. أما الناس الذين لا يعرفون اسمه فيسمّونه "أبو كرتونة". يظهر وحده مرتدياً الكرتونة على ظهره مثلما قوقعة الحلزون. كنزة رمادية عليها رسمة رجل آلي بمجسّات طويلة. هذا ما يستره...
في كل يوم ومنذ 41 عاماً!
مرتضى كزار 2016-12-01
ينتصب في قلب العاصمة بغداد تمثال شهريار و "قصخونته" شهرزاد، نديمته وراوية حكاياته. إنه واحد من أجمل تماثيل النحّات الراحل محمد غني حكمت. في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة...
نزيف الكتب
مرتضى كزار 2016-11-16
صحيح أنّ الكتاب سلعة أيضاً، تباع وتشترى ويروج لها، تخزن وتقتنى وتعرض وتفسد وتتجدد، لكن الاتجار بالكتب لا يشبه الاتجار بأي شيء آخر. أسواق الكتب في المدن العراقية، كالمتنبي ببغداد...


