بيت الخوذة

يرسل لي مدير المدرسة التلاميذ المشاغبين، الذين لا يحفظون دروسهم ولا ينجزون واجباتهم، غرفتي بلا باب وتجاور الحمامات، هي لا تشبه الحفرة الأفقية لأنها حقاً حفرة أفقية يسقط فيها المقصرون الصغار وهم يتأوهون ويستنجدون بأمهاتهم من الألم
2016-06-23

مرتضى كزار

رسّام وسينمائي من العراق


شارك

يرسل لي مدير المدرسة التلاميذ المشاغبين، الذين لا يحفظون دروسهم ولا ينجزون واجباتهم، غرفتي بلا باب وتجاور الحمامات، هي لا تشبه الحفرة الأفقية لأنها حقاً حفرة أفقية يسقط فيها المقصرون الصغار وهم يتأوهون ويستنجدون بأمهاتهم من الألم، في غرفتي لا أحد يستنجد بأبيه، الآباء أشياء وهمية غير موجودة إلا داخل برواز صورة الشهيد في البيت.
يتذكر جميع التلاميذ غرفتي ولا تغيب عنهم رائحتها العطنة، ستظل تحّف بأنوفهم حتى وهم يتخرجون ويتزوجون ويتكاثرون.
أما أنا فسأتذكرُّ ما حييتْ آخر طفلين وقفا أمامي بانتظار العقاب. وبصفتي معاوناً للمدير أو أداة العقوبة السريّة في هذه المدرسة طلبت منهما أن يغلقا الباب ويدخلا.
عادة يستجيب التلاميذ مع هذا الطلب بالقول وهم يكفكفون دموعهم: ليس في الغرفة باب يا أستاذ.
ثم أجبرهم على غلق الباب غير الموجود مرة أخرى، أصفعهم بدفاترهم وأبدأ العقاب.
مع هذين التلميذين الشقيقين اختلف الموضوع. قلت لهما ادخلا واغلقا الباب. فدفع الأخ الأكبر أخاه الأصغر، الأصغر لامس الهواء بكفه ودفعه كما لو كان باباً.
كانت شكوى المدير بأن الولدين يقدمان الواجب فارغاً ويدعيان أن الورقة مليئة بالحل المضبوط، لكنها نظيفة ولم يكتب عليها شيء، في الواقع الدفتر كله نظيف منذ مطلع العام. انهما يريان شيئاً لا نراه ولا نحسه. هكذا يدعي هذان المشاغبان، سوء تربية وانفلات يا أستاذ، هكذا يعلق المدير وهو يقدمهما لي.
بعد ربع ساعة من عذاب خيزرانتي المشهورة، اعترف لي الكبير بالآتي: نحن نكتب الواجب كل يوم لكنه لا يظهر، نكتبه مع أبينا في الليل، أبونا يوقظنا قبل الفجر، يضع خوذته على الفراش ويعلمنا الواجب، أمي ترانا من بعيد وتبكي، لا تسلّم على أبي، هي لا تراه مثلكم، ومثلكم لا ترى الواجب، لكننا نراه. حينما نستيقظ يختفي أبي والواجب وتبقى الخوذة. وبالنسبة للباب، فأمي تردد دائماً: بعدك أضحينا بلا باب.
بصراحة. أنا وأخي نجيد غلق الأبواب التي لا ترونها.


وسوم: العدد 197

للكاتب/ة

فسحة العيش في كرتونة

مرتضى كزار 2016-12-07

.. أما الناس الذين لا يعرفون اسمه فيسمّونه "أبو كرتونة". يظهر وحده مرتدياً الكرتونة على ظهره مثلما قوقعة الحلزون. كنزة رمادية عليها رسمة رجل آلي بمجسّات طويلة. هذا ما يستره...

في كل يوم ومنذ 41 عاماً!

مرتضى كزار 2016-12-01

ينتصب في قلب العاصمة بغداد تمثال شهريار و "قصخونته" شهرزاد، نديمته وراوية حكاياته. إنه واحد من أجمل تماثيل النحّات الراحل محمد غني حكمت. في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة...

نزيف الكتب

مرتضى كزار 2016-11-16

صحيح أنّ الكتاب سلعة أيضاً، تباع وتشترى ويروج لها، تخزن وتقتنى وتعرض وتفسد وتتجدد، لكن الاتجار بالكتب لا يشبه الاتجار بأي شيء آخر. أسواق الكتب في المدن العراقية، كالمتنبي ببغداد...